محمد بن أحمد الفاسي

373

العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين

الإمام الحافظ أبى القاسم بن زانيف ، وكان من أكابر علماء زمانه بمدينة فاس ، أنه كان يقول : النظر في وجه الظالم خطيئة ، واستعظام ما هو فيه ، من الكبائر . ويشبه هذا الكلام ، أن يكون مرويا ، فإن مثله لا يدرك بالرأي . قال : وسمعت الشيخ أبا البركات المذكور ، يعنى : مبارك بن علي التنملى المراكشي يقول : كان أبو عبد اللّه محمد اللمدانى في أول أمره ، مكاسا بمدينة تونس ، فلما تاب على يد الشيخ العارف القدوة ، أبى محمد عبد اللّه بن محمد المرجاني ، رحمة اللّه عليهم ، جمع جميع ما كان عنده من الأسباب ، فاجتمع من ذلك اثنا عشر ألف دينار ، ودنانير الغرب ، كل دينار عشرة دراهم . فحملها إلى الشيخ رضى اللّه عنه ، فقبض الشيخ ذلك منه ، ثم قال له : لابد لك من سبب تقيم به عيالك ، ولا شئ معك ، فردها عليه على وجه القرض بمثلها ، وتسبب أبو عبد اللّه اللمدانى في ذلك المال ، وصار مهما فضل له شئ ، حمله إلى الشيخ حتى وفي جميع المال ، وتصرف فيه الشيخ ، رحمه اللّه ، على حسب ما يقتضيه نظره الصالح . وقال : سمعت الشيخ الصالح أبا محمد عبد اللّه بن محمد المرجاني - رحمه اللّه تعالى - يقول : كنت في حال الطلب ، أنسخ كتاب : « الإكمال » للقاضي عياض ، رحمه اللّه ، وكنت في حال فاقة شديدة ، وكنت إذا نسخت الكراس ، أعرض على نفسي : أيما أحب إليك ، هذا الكراس أو وزنه دراهم ؟ . فكنت أجد عندي أن الكراس أحب إلى من ذلك . وحكى - رحمه اللّه تعالى - هذه الحكاية ، في معرض أن العبد إذا كان مرادا بحاله زينها الحق بعينه له ، حتى لا يبغى بها بدلا . وقال : سمعت شيخنا أبا بكر محمد بن محمد القسطلاني ، رحمه اللّه ، يقول : إن الشباب والفراغ والجدة * مفسدة للمرء أي مفسدة « 6 » وسمعته يقول : من لم يؤدبه والداه ، أدبه الليل والنهار . من يخف صوله الليالي ، أثر في وجهه الغبار . انتهى . مررت يوما بمدينة فاس ، بموضع يقال له حجر معدان ، فرأيت براءة مطروحة في الأرض ، فقرأتها ، فإذا فيها مكتوب :

--> ( 6 ) انظر : ( ديوان أبى العتاهية 348 ) .